محمد كرد علي

312

خطط الشام

من أحد أبناء السبيل في البرية سرق منه ماله وثيابه أو هميانه ودابته ، وندر أن يقتله فشأنه شأن معظم البشر عبد القوة لا يحاذر غيرها . ولطالما كان الجنود الشاميون أيام كانوا يفرون على عهد الترك من اليمن تطيل البادية عليهم أيدي الاعتداء تارة ويكسونهم ويطعمونهم تارة أخرى ، وهكذا كان الفار يعرى ويكتسي مرارا حتى يصل إلى المعمور من دياره . وماذا يعمل البدوي وماشيته ترعى أمامه ، وكيف يصرف ليله ونهاره ، وكيف تطيب له الحياة في الصيف والشتاء ، وهو معرض لأشد الحرارة وأشد البرودة ، وخائف على الدوام يترقب غزوة خصمه وقبيله الذي يعاديه ؟ لا جرم أن البدوي ، وهو بذكائه وفراسته معروف موصوف أكثر من الفلاحين أهل القرى ، يعرف من الأخبار التي تهمه من أنباء العالم ما ينبغي له الإحاطة به ، ويتناقله بسرعة البرق ، حتى إن ما يحدث في الحجاز أو العراق ، يصل خبره إلى ابن بادية الشام وما وراءه من العرب ، قبل أن تصل السيارة والبريد ، فينتقل الخبر في الأفواه من فم إلى فم ، ويسمون الأخبار « العلوم » وأول ما يسأل البدوي في البادية أو المعمورة عن العلوم . وإذا لم يكن عند البدوي ما يتسلى به من القصص والأخبار التي تكون في العادة نمطا واحدا يأخذ شاعر القبيلة ربابه يضرب عليها ، ويفكههم من نظمه أو من محفوظه بأشعار . وفي الغالب أن يكون ما ينشدهم إياه بلهجتهم التي يألفونها . ويحتوي على الأكثر الحماسيات وأخبار الغزاة والغزوات وأيام الشجعان وحوادث الكرماء والضيفان . والرقص معروف عندهم وهو الدبكة أو السحجة يرقص في الغالب الفتيان والفتيات ، دون الرجال والنساء المتزوجات . ومهور النساء غالية في بعض العشائر ، وتكون من الجمال والشياه غالبا لا من النقود لقلة تداول النقد بينهم فهم يتقايضون الحاصلات ، كما يتقايضون البنات بالحيوانات . والبدوي يخصب إن جادت المراعي من خيرات السماء ، وإلا فقد أترب وأجدب ، ونفقت دوابه فأعوزته اللقيمات . ويجلس الرجال في العراء في خيمة مضروبة تكون في الغالب خيمة الشيخ أو الغني ، يتعاطون قهوة البن وهم يجيدون طبخها لفراغهم وتوفرهم على معالجتها . وقد يستغني البدوي عن الأكل أو يقلل منه كثيرا ، ولكنه لا